صديق الحسيني القنوجي البخاري
592
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال الزجاج : معنى قدرنا دبرنا وهو قريب من معنى قضينا ، وأصل التقدير جعل الشيء على مقدار الكفاية ، وقرىء قدرنا بالتخفيف وبالتشديد قال الهروي : هما بمعنى وقيل ضمن قدرنا معنى العلم فلذلك علق باللام مع كون التعليق من خصائص أفعال القلوب فكسرت إن . وقيل هذا لا يصلح علة لكسرها إنما يصلح علة لتعليقها الفعل قبلها فقط ، والعلة في كسرها وجود اللام ولولاها لفتحت ، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة مع كونه من فعل اللّه سبحانه مجازا لما لهم من القرب عند اللّه ، أو أنهم رسل اللّه وواسطة بينه وبين خلقه . فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ مستأنفة لبيان اهلاك من يستحق الهلاك وتنجية من يستحق النجاة ، وفي الكلام حذف ، أي فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط ، وكان بينهما أربعة فراسخ ، ولفظة آل زائدة بدليل ولقد جاءت رسلنا لوطا . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 62 إلى 71 ] قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 62 ) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 63 ) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 64 ) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) قالَ لوط مخاطبا لهم إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ لا أعرفكم بل أنكركم وأخاف أن تصيبوني بمكروه ولا أعرف غرضكم ولا من أي القبائل أنتم . قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره ، كأنهم قالوا ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه ، بل جئناك بما فيه سرورك وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه . وَأَتَيْناكَ متلبسين بِالْحَقِّ أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد أو متلبسا أنت به لإبصارك له ، وهو العذاب النازل بهم لا محالة وَإِنَّا لَصادِقُونَ في ذلك الخبر الذي أخبرناك . وقد تقدم تفسير قوله : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ في سورة هود أي سر في جزء من الليل بهم ، وهم بنتاه ، فلم يخرج من قريته إلا هو وبنتاه ، وفي القرطبي في سورة هود : فخرج لوط وطوى اللّه له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي كن من ورائهم وامش خلفهم تذودهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب ، أو لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون .